محمد بن جرير الطبري
158
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يقول تعالى ذكره : وإن يستغث هؤلاء الظالمون يوم القيامة في النار من شدة ما بهم من العطش ، فيطلبون الماء يغاثوا بماء المهل . واختلف أهل التأويل في المهل ، فقال بعضهم : هو كل شيء أذيب وانماع . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : ذكر لنا أن ابن مسعود أهديت إليه سقاية من ذهب وفضة ، فأمر بأخدود فخد في الأرض ، ثم قذف فيه من جزل حطب ، ثم قذف فيه تلك السقاية ، حتى إذا أزبدت وانماعت قال لغلامه : ادع من يحضرنا من أهل الكوفة ، فدعا رهطا ، فلما دخلوا عليه قال : أترون هذا ؟ قالوا : نعم ، قال : ما رأينا في الدنيا شبيها للمهل أدنى من هذا الذهب والفضة ، حين أزبد وانماع . وقال آخرون : هو القيح والدم الأسود . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام عن عنبسة ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن القاسم ، عن أبي بزة ، عن مجاهد في قوله : وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ قال : القيح والدم . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد بِماءٍ كَالْمُهْلِ قال : القيح والدم الأسود ، كعكر الزيت . قال الحرث في حديثه : يعني دردية . حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : كَالْمُهْلِ قال : يقول : أسود كهيئة الزيت . حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : بِماءٍ كَالْمُهْلِ ماء جهنم أسود ، وهي سوداء ، وشجرها أسود ، وأهلها سود . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ قال : هو ماء غليظ مثل دردي الزيت . وقال آخرون : هو الشيء الذي قد انتهى حره . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب القمي ، عن جعفر وهارون بن عنترة ، عن سعيد بن جبير ، قال : المهل : هو الذي قد انتهى حرة . وهذه الأقوال وإن اختلفت بها ألفاظ قائليها ، فمتقاربات المعنى ، وذلك أن كل ما أذيب من رصاص أو ذهب أو فضة فقد انتهى حره ، وأن ما أوقدت عليه من ذلك النار حتى صار كدردي الزيت ، فقد انتهى أيضا حره . وقد : حدثت عن معمر بن المثني ، أنه قال : سمعت المنتجع بن نبهان يقول : والله لفلان أبغض إلي من الطلياء والمهل ، قال : فقلنا له : وما هما ؟ فقال : الجرباء ، والملة التي تنحدر عن جوانب الخبزة إذا ملت في النار من النار ، كأنها سهلة حمراء مدققة ، فهي أحمره ، فالمهل إذا هو كل مائع قد أوقد عليه حتى بلغ غاية حره ، أو لم يكن مائعا ، فإنماع بالوقود عليه ، وبلغ أقصى الغاية في شدة الحر . وقوله : يَشْوِي الْوُجُوهَ يقول جل ثناؤه : يشوي ذلك الماء الذي يغاثون به وجوههم . كما : حدثني محمد بن خلف العسقلاني ، قال : ثنا حيوة بن شريح ، قال : ثنا بقية ، عن صفوان بن عمرو ، عن عبد الله بن بسر هكذا قال ابن خلف عن أبي أمامة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، في قوله وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ قال : " يقرب إليه فيتكرهه ، فإذا قرب منه ، شوى وجهه ، ووقعت فروة رأسه ، فإذا شربه قطع أمعاءه " ، يقول الله : وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ . حدثنا محمد بن المثني ، قال : ثنا إبراهيم بن إسحاق الطالقاني ويعمر بن بشر ، قالا : ثنا ابن المبارك ، عن صفوان ، عن عبد الله بن بسر ، عن أبي أمامة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب ، عن جعفر وهارون بن عنترة ، عن سعيد بن جبير ، قال هارون : إذا جاع أهل النار . وقال جعفر : إذا جاء أهل النار استغاثوا بشجرة الزقوم ، فأكلوا منها ، فاختلست جلود وجوههم ، فلو أن مارا مار بهم يعرفهم ، لعرف جلود وجوههم فيها ، ثم يصب عليهم العطش ، فيستغيثون ، فيغاثون بماء كالمهل ، وهو الذي قد انتهى